الثلاثاء، 27 مايو 2008

تقرير عن كتاب مسألة في الكنائس

بإشراف/ د. خالد القاسم
إعداد/ أبوعبدالله العليان

مقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد:
فهذا تقرير يتكلم عن مسألة في الكنائس لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو بتكليف من فضيلة الشيخ خالد القاسم وفقه الله، ويتكلم الكتاب فيه عن حكم بناء الكنائس أو إقرارهم عليها في بلاد المسلمين.
وقد سلكت في هذا التقرير توثيق الآيات بذكر رقم الآية واسم السورة، والتزمت في هذا البحث تخريج الأحاديث، وأذكر اسم الشهرة للكتاب مع رقم الحديث ماعدا المسند فبرقم الجزء والصفحة، ويكون العزو إليها في الحاشية، ثم وضعت فهرساً للموضوعات.
وختاماً شكر الله لفضيلة شيخنا جهده وتعليمه، وإلى التقرير يتوفيق الله وتسديده:
إن كتاب مسألة في الكنائس لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هو عبارة عن جواب لسؤال ورده عن حكم فتح الكنائس المُغلقة في القاهرة، والشُبه التي يتعلقون بها لفتحها كإقرار عمر t لذلك، وأن منعهم من فتحها ظلم لهم.

فذكر شيخ الإسلام أن دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها بأن ذلك كذب مخالف لأهل العلم فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة كأرض مصر والسواد بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدا في ذلك، ومتبعا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك ظلماً منه، بل تجب طاعته في ذلك، وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم.

ثم بين كذبهم في إقرار عمر t لهم بذلك، وذكر أنه من المعلوم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر بن الخطاب t بثلاثمائة سنة، بنيت بعد بغداد، وبعد البصرة والكوفة وواسط.

وذكر -رحمه الله- اتفاق المسلمين على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، مثل ما فتحه المسلمون صلحاً، وأبقوا لهم كنائسهم القديمة، بعد أن شرط عليهم فيه عمر بن الخطاب t أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح، فكيف في بلاد المسلمين، بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة، كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها، فإن لهم أخذ تلك الكنيسة، لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسة بعد عهد، فإن في سنن أبي داود[1] بإسناد جيد عن ابن عباس - رضي الله عنهما- عن النبي r أنه قال : ((لا تصلح قبلتان بأرض، ولا جزية على مسلم))، والمدينة التي يسكنها المسلمون , والقرية التي يسكنها المسلمون , وفيها مساجد المسلمين , لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر : لا كنائس ولا غيرها, إلا أن يكون لهم عهد , فيوفى لهم بعهدهم.
ثم تكلم عن العبيديين، وعداوة الباطنية والرافضة للمسلمين.
ثم ذكر حكم الكنائس القديمة، وأن القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون, ولا مسجد للمسلمين, فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم التي فيها, جاز ذلك, كما فعله المسلمون، وأما إذا سكنها المسلمون وبنوا بها مساجدهم , فقد قال النبي r: ((لا تصلح قبلتان بأرض))[2].

ثم تكلم المؤلف -رحمه الله- عن حكم هدم كنائس النصارى في أرض العنوة وبين أن المسلمين قد أخذوا من النصارى كنائس كثيرة من أرض العنوة, بعد أن أُقروا عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز-رحمه الله- وغيره من الخلفاء, وليس في المسلمين من أنكر ذلك, فعلم أن هدم كنائس العنوة جائز, إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين.

وبين شيخ الإسلام -رحمه الله- سبب إعراض من أعرض عنهم وهو: قلة المسلمين, ونحو ذلك من الأسباب, كما أعرض النبي r عن إجلاء اليهود حتى أجلاهم عمر بن الخطاب t.

ثم ذكر المؤلف -رحمه الله- حكم مظاهرة الذميين لأهل دينهم على المسلمين، وأنه ليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتبوا أهل دينهم من أهل الحرب, ولا يخبرونهم بشيء من أخبار المسلمين, ولا يطلبوا من رسولهم أن يكلف ولي المسلمين ما فيه ضرر على المسلمين, ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته باتفاق المسلمين, وفي أحد القولين يكون قد نقض عهده, وحل دمه , وماله.

وبين -رحمه الله- خطورة المشورة على ولي الأمر في إعزاز النصارى، وذكر أنه لا يشير على ولي المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام، أو تقوية أمرهم بوجه من الوجوه، إلا أحد ثلاثة رجال:
1. رجل منافق، يظهر الإسلام وهو منهم في الباطن.
2. رجل له غرض فاسد، مثل أن يكونوا برطلوه -أي رشوه- ودخلوا عليه برغبة أو رهبة.
3. رجل جاهل في غاية الجهل، لا يعرف السياسة الشرعية الإلهية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه، وأعداء الدين.
وبين أن من كان عارفاً ناصحاً لولي الأمر أشار عليه بما يوجب نصره، وثباته، وتأييده، واجتماع قلوب المسلمين عليه، وفتحهم له، ودعاء الناس له في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا كله إنما يكون بإعزاز دين الله، وإظهار كلمة الله، وإذلال أعداء الله تعالى.

ثم بين شيخ الإسلام -رحمه الله- استغناء المسلمين عن النصارى وأمثالهم، وأطال في ذلك، وذكر ضمن ذلك حادثتين لعمر t، أكتفي بذكر إحداهما، وهي مكاتبة خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- يقول له: إن بالشام كاتباً نصرانياً، لا يقوم خراج الشام إلا به، فكتب إليه : لا تستعمله.
فكتب: إنه لا غناء بنا عنه . فكتب إليه، لا تستعمله.
فكتب إليه : إذا لم نوله ضاع المال.
فكتب إليه عمر t: مات النصراني، والسلام.
واستدل شيخ الإسلام بما ثبت في الصحيح عن النبي r: أن مشركاً لحقه ليقاتل معه، فقال له r: ((إني لا أستعين بمشرك))[3].

ثم ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- الشروط العُمرية التي كان النصارى ملتزمين بها، وعددها واحد وعشرون شرطاً، أول شرطين فيها:
1 - أن لا يتخذوا من مدائن الإسلام ديراً ولا كنيسة ولا قُلّية (بيت عبادة كالصومعة) ولا صومعة لراهب, ولا يجددوا ما خرب منها.2 - ولا يمنعوا كنائسهم التي عاهدوا عليها أن ينزلها المسلمون ثلاثة أيام يطعموهم , ويؤووهم .
ثم ختم الرسالة فقال-رحمه الله-:
قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (7) سورة محمد، وقد صح عن النبي r أنه قال : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم , ولا من خذلهم , حتى تقوم الساعة))[4].وكل من عرف سير الناس وملوكهم , رأى من كان أنصر لدين الله , وأعظم جهاداً لدين الله , ولأعدائه , وأقوم بطاعة الله ورسوله , أعظم نصرة وطاعة وحرمة , من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فمن خرج عن شرط من هذه الشروط فقد حل للمسلمين منهم ما حل بأهل المعاندة والشقاق (107) . ويتقدم حاكم المسلمين يطلب من يكون من أكابر النصارى ويلزمهم بهذه الشروط العمرية , أعز الله أنصارها بمحمد وآله.
الخاتمة:
بين شيخ الإسلام أن دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها بأن ذلك كذب، وذكر اتفاق العلماء على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة لم يكن ظالماً، وبهذا يتبين أن هدم كنائس العنوة جائز, إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين.
وذكر اتفاق المسلمين على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة.
وبين كذب النصارى في إقرار عمر t لهم بذلك وأن القاهرة بنيت بعد عمر بن الخطاب t بثلاثمائة سنة.
وذكر حكم الكنائس القديمة، وأنه إذا أقرهم المسلمون على كنائسهم جاز ذلك، وبين أن سبب إعراض من أعرض عنهم هو قلة المسلمين.
وذكر أن من الشروط العُمرية أن لا يتخذ النصارى من مدائن الإسلام ديراً ولا كنيسة.

ويحسن بي أن أذكر في الخاتمة مُلخصاً جميلاً لابن القيم[5] لخصه من كلام شيخه ابن تيمية -رحمهما الله- قال فيه:
وملخص الجواب أن كل كنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار التي مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما بالهدم أو غيره بحيث لا يبقى لهم معبد في مصر مصره المسلمون بأرض العنوة، وسواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة، لأن القديم منها يجوز أخذه -ويجب عند المفسدة- وقد نهى النبي r أن تجتمع قبلتان بأرض، فلا يجوز للمسلمين أن يمكنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم، لا سيما وهذه الكنائس التي بهذه الأمصار محدثة، يظهر حدوثها بدلائل متعددة والمحدث يهدم باتفاق الأئمة، وأما الكنائس التي بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة:
· فما كان منها محدثا وجب هدمه.
· وإذا اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمهما جميعا، لأن هدم المحدث واجب وهدم القديم جائز وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
· وما كان منها قديما فإنه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم، فينظر الإمام في المصلحة، فإن كانوا قد قلوا والكنائس كثيرة أخذ منهم أكثرها، وكذلك ما كان على المسلمين فيه مضرة فإنه يؤخذ أيضا وما احتاج المسلمون إلى أخذه أخذ أيضا، وأما إذا كانوا كثيرين في قرية ولهم كنيسة قديمة لا حاجة إلى أخذها ولا مصلحة فيه فالذي ينبغي تركها كما ترك النبي r وخلفاؤه لهم من الكنائس ما كانوا محتاجين إليه ثم أخذ منهم.
· وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح مثل ما في داخل مدينة دمشق ونحوها فلا يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد إلا بمعاوضة أو طيب أنفسهم كما فعل المسلمون بجامع دمشق لما بنوه".
ثم قسم ابن القيم -رحمه الله- الكنائس إلى ثلاثة أقسام -بناء على ما تقدم-:
1. منها ما لا يجوز هدمه.
2. ومنها ما يجب هدمه كالتي في القاهرة مصر والمحدثات كلها.
3. ومنها ما يفعل المسلمون فيه الأصلح كالتي في الصعيد وأرض الشام.



والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً،،،
الموضوعات
الصفحة
مقدمة
2
دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها بأن ذلك كذب
3
كذبهم في إقرار عمر t لهم بذلك
3
اتفاق المسلمين على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة
3
العبيديون، وعداوة الباطنية والرافضة للمسلمين.
3
حكم الكنائس القديمة
4
حكم هدم كنائس النصارى في أرض العنوة
4
حكم مظاهرة الذميين لأهل دينهم على المسلمين
4
خطورة المشورة على ولي الأمر في إعزاز النصارى، وأسام من أشار بذلك
4
استغناء المسلمين عن النصارى وأمثالهم
5
الشروط العُمرية
5
الخاتمة
7
الفهرس
9
[1] - من وجهين الأول برقم(3032)، والثاني برقم(3053).
[2] - أخرجه أبو داود برقم(3032) وجوّد إسناده المؤلف، والترمذي برقم(633)، والإمام أحمد في مسنده(1/223).
[3] - أخرجه مسلم برقم(1817).
[4] - أخرجه البخاري ومسلم برقم(1920).
[5] - في أحكام أهل الذمة (3/1195-1196)، تحقيق : يوسف أحمد البكري - شاكر توفيق العاروري، دار النشر: رمادى للنشر - دار ابن حزم - الطبعة الأولى ، 1418 - 1997.

ليست هناك تعليقات: